شبكة طاركو السودانيه
بسم الله الرحمن الرحيم

الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8 رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12)
السلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاتة الاخوة زوار شبكة طاركو السودانيه نرحب بكم علي الشبكة ونطلب منكم التسجيل في المنتدى و الرجاء الحرص علي المشاركة في المنتدى و ساعدونا بوضع المواضيع الدينية عسى الله ان يجعلها في ميزان حسناتكم و الله الموفق ادارة المنتدي و نزكركم بان المنتدى في حوجا الي مشرفين ونذكر بان مشاركتك تجعلك مشرف علي احى الاقسام.
الادارة العامة للمنتدى / القسم الاعلامي

شبكة طاركو السودانيه


 
الرئيسيةشبكة طاركوبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
مرحباً بكم في شبكة ومنتديات طاركو السودانيه نرجو من الاخوه و الاخوات الكرام التكرم بلتسجيل و المشاركة في المنتدى و شكراً ادارة المنتدى

شاطر | 
 

 قصة موسى بن عمران - عليه السلام - كاملة الجز الثاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
طارق عبد الرحمن
Admin


عدد المساهمات : 439
تاريخ التسجيل : 14/09/2010
العمر : 28
الموقع : sudan

مُساهمةموضوع: قصة موسى بن عمران - عليه السلام - كاملة الجز الثاني   الجمعة نوفمبر 26, 2010 12:17 am

نفسية بني إسرائيل الذليلة:
لقد مات فرعون مصر. غرق أمام عيون المصريين وبني إسرائيل. ورغم موته، فقدظل أثره باقيا في نفوس المصريين وبني إسرائيل. من الصعب على سنوات القهرالطويلة والذل المكثف أن تمر على نفوس الناس مر الكرام. لقد عوّد فرعونبني إسرائيل الذل لغير الله. هزم أرواحهم وأفسد فطرتهم فعذبوا موسى عذاباشديدا بالعناد والجهل.
كانت معجزة شق البحر لم تزل طرية في أذهانهم، حين مروا على قوم يعبدونالأصنام. وبدلا من أن يظهروا استيائهم لهذا الظلم للعقل، ويحمدوا الله أنهداهم للإيمان. بدلا من ذلك التفتوا إلى موسى وطلبوا منه أن يجعل لهم إلهايعبدونه مثل هؤلاء الناس. أدركتهم الغيرة لمرأى الأصنام، ورغبوا في مثلها،وعاودهم الحنين لأيام الشرك القديمة التي عاشوها في ظل فرعون. واستلفتهمموسى إلى جهلهم هذا، وبيّن لهم أن عمل هؤلاء باطل، وأن الله فضل بنيإسرائيل على العالمين فكيف يجحد هذا التفضيل ويجعل لهم صنما يعبدونه مندون الله. ثم ذكّرهم بفرعون وعذابه لهم، وكيف أن الله نجاهم منه، فكيف بعدذلك يشركون بالله مالا يضر ولا ينفع.
موعد موسى لملاقاة ربه:
انتهت المرحلة الأولى من مهمة موسى عليه السلام، وهي تخليص بني إسرائيل منحياة الذل والتعذيب على يد فرعون وجنده. والسير بهم إلى الديار المقدسة.لكن القوم لم يكونوا على استعداد للمهمة الكبرى، مهمة الخلافة في الأرضبدين الله. وكان الاختبار الأول أكبر دليل على ذلك. فما أن رأوا قومايعبدون صنما، حتى اهتزت عقيدة التوحيد في نفوسهم، وطلبوا من موسى أن يجعللهم وثنا يعبدوه. فكان لا بد من رسالة مفصلة لتربية هذه الأمة وإعدادهالما هم مقبلون عليه. من أجل هذه الرسالة كانت مواعدة الله لعبده موسىليلقاه. وكانت هذه المواعدة إعداد لنفس موسى ليتهيأ للموقف الهائل العظيم.فاستخلف في قومه أخاه هارون عليه السلام.
كانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة، أضيف إليها عشر، فبلغت عدتها أربعين ليلة.يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود؛ وينعزل فيها عن شواغل الأرض؛فتصفو روحه وتتقوى عزيمته. ويذكر ابن كثير في تفسيره عن أمر هذه الليالي:"فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة؛ قال المفسرون: فصامها موسى -عليهالسلام- وطواها، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أنيكمل العشرة أربعين".
كان موسى بصومه -أربعين ليلة- يقترب من ربه أكثر. وكان موسى بتكليم اللهله يزداد حبا في ربه أكثر. فطلب موسى أن يرى الله. ونحن لا نعرف أي مشاعركانت تجيش في قلب موسى عليه الصلاة والسلام حين سأل ربه الرؤية. أحياناكثيرة يدفع الحب البشري الناس إلى طلب المستحيل. فما بالك بالحب الإلهي،وهو أصل الحب؟ إن عمق إحساس موسى بربه، وحبه لخالقه، واندفاعه الذي لم يزليميز شخصيته. دفعه هذا كله إلى أن يسأل الله الرؤية.
وجاءه رد الحق عز وجل: قَالَ لَن تَرَانِي
ولو أن الله تبارك وتعالى قالها ولم يزد عليها شيئا، لكان هذا عدلا منهسبحانه، غير أن الموقف هنا موقف حب إلهي من جانب موسى. موقف اندفاع يبررهالحب ولهذا أدركت رحمة الله تعالى موسى. أفهمه أنه لن يراه، لأن أحدا منالخلق لا يصمد لنور الله. أمره أن ينظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوفيراه.
قال تعالى: (وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّمَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِجَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا)
لا يصمد لنور الله أحد. فدكّ الجبل، وصار مسوّى في الأرض. وسقط موسى مغشياعليه غائبا عن وعيه. فلما أفاق قال سبحانك تنزهت وتعاليت عن أن ترىبالأبصار وتدرك. وتبت إليك عن تجاوزني للمدى في سؤالك! وأنا أول المؤمنينبك وبعظمتك.


ثم تتداركه رحمة ربه من جديد. فيتلقى موسى -عليه السلام- البشرى. بشرىالاصطفاء. مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص. قال تعالى: (قَالَيَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِيوَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ)
وقف كثير من المفسرين أمام قوله تعالى لموسى: (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَىالنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي). وأجريت مقارنات بينه وبين غيره منالأنبياء. فقيل إن هذا الاصطفاء كان خاصا بعصره وحده، ولا ينسحب على العصرالذي سبقه لوجود إبراهيم فيه، وإبراهيم خير من موسى، أيضا لا ينطبق هذاالاصطفاء على العصر الذي يأتي بعده، لوجود محمد بن عبد الله فيه، وهو أفضلمنهما.
ونحب أن نبتعد عن هذا الجدال كله. لا لأننا نعتقد أن كل الأنبياء سواء.إذا إن الله سبحانه وتعالى يحدثنا أنه فضل بعض النبيين على بعض، ورفعدرجات بعضهم على البعض. غير أن هذا التفضيل ينبغي أن يكون منطقة محرمةعلينا، ولنقف نحن في موقع الإيمان بجميع الأنبياء لا نتعداه. ولنؤد نحوهمفروض الاحترام على حد سواء. لا ينبغي أن يخوض الخاطئون في درجات المعصومينالمختارين من الله. ليس من الأدب أن نفاضل نحن بين الأنبياء. الأولى أننؤمن بهم جميعا.
ثم يبين الله تعالى مضمون الرسالة (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنكُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَابِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَالْفَاسِقِينَ) ففيها كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان اللهوشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدهاالذل وطول الأمد!
عبادة العجل:
انتهى ميقات موسى مع ربه تعالى. وعاد غضبان أسفا إلى قومه. فلقد أخبرهالله أن قموه قد ضلّوا من بعده. وأن رجلا من بني إسرائيل يدعى السّامري هومن أضلّهم. انحدر موسى من قمة الجبل وهو يحمل ألواح التوراة، قلبه يغليبالغضب والأسف. نستطيع أن نتخيل انفعال موسى وثورته وهو يحث خطاه نحو قومه.
لم يكد موسى يغادر قومه إلى ميقات ربه. حتى وقعت فتنة السامري. وتفصيل هذهالفتنة أن بني إسرائيل حين خرجوا من مصر، صحبوا معهم كثيرا من حليالمصريين وذهبهم، حيث كانت نساء بني إسرائيل قد استعرنه للتزين به، وعندماأمروا بالخروج حملوه معهم. ثم قذفوها لأنها حرام. فأخذها السامري، وصنعمنها تمثالا لعجل. وكان السامري فيما يبدو نحاتا محترفا أو صائغا سابقا،فصنع العجل مجوفا من الداخل، ووضعه في اتجاه الريح، بحيث يدخل الهواء منفتحته الخلفية ويخرج من أنفه فيحدث صوتا يشبه خوار العجول الحقيقية.
ويقال إن سر هذا الخوار، أن السامري كان قد أخذ قبضة من تراب سار عليهجبريل -عليه السلام- حين نزل إلى الأرض في معجزة شق البحر. أي أن السامريأبصر بما لم يبصروا به، فقبض قبضة من أثر الرسول -جبريل عليه السلام-فوضعها مع الذهب وهو يصنع منه العجل. وكان جبريل لا يسير على شيء إلا دبتفيه الحياة. فلما أضاف السامري التراب إلى الذهب، ثم صنع منه العجل، خارالعجل كالعجول الحقيقية. وهذه هي القصة التي قالها السامري لموسى عليهالسلام.
بعد ذلك، خرج السامري على بني إسرائيل بما صنعه..
سألوه: ما هذا يا سامري؟
قال: هذا إلهكم وإله موسى!
قالوا: لكن موسى ذهب لميقات إلهه.
قال السامري: لقد نسي موسى. ذهب للقاء ربه هناك، بينما ربه هنا.
وهبت موجة من الرياح فدخلت من دبر العجل الذهب وخرجت من فمه فخار العجل.وعبد بنو إسرائيل هذا العجل. لعل دهشة القارئ تثور لهذه الفتنة. كيف يمكنالاستخفاف بعقول القوم لهذه الدرجة؟! لقد وقعت لهم معجزات هائلة. فكيفينقلبون إلى عبادة الأصنام في لحظة؟ تزول هذه الدهشة لو نظرنا في نفسيةالقوم الذين عبدوا العجل. لقد تربوا في مصر، أيام كانت مصر تعبد الأصناموتقدس فيما تقدس العجل أبيس، وتربوا على الذل والعبودية، فتغيرت نفوسهم،والتوت فطرتهم، ومرت عليهم معجزات الله فصادفت نفوسا تالفة الأمل. لم يعدهناك ما يمكن أن يصنعه لهم أحد. إن كلمات الله لم تعدهم إلى الحق، كما أنالمعجزات الحسية لم تقنعهم بصدق الكلمات، ظلوا داخل أعماقهم من عبدةالأوثان. كانوا وثنيين مثل سادتهم المصريين القدماء. ولهذا السبب انقلبواإلى عبادة العجل.
وفوجئ هارون عليه الصلاة والسلام يوما بأن بني إسرائيل يعبدون عجلا منالذهب. انقسموا إلى قسمين: الأقلية المؤمنة أدركت أن هذا هراء. والأغلبيةالكافرة طاوعت حنينها لعبادة الأوثان. ووقف هارون وسط قومه وراح يعظهم.قال لهم: إنكم فتنتم به، هذه فتنة، استغل السامري جهلكم وفتنكم بعجله. ليسهذا ربكم ولا رب موسى (وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِيوَأَطِيعُوا أَمْرِي).
ورفض عبدة العجل موعظة هارون. لكن هارون -عليه السلام- عاد يعظهم ويذكرهمبمعجزات الله التي أنقذهم بها، وتكريمه ورعايته لهم، فأصموا آذانهم ورفضواكلماته، واستضعفوه وكادوا يقتلونه، وأنهوا مناقشة الموضوع بتأجيله حتىعودة موسى. كان واضحا أن هارون أكثر لينا من موسى، لم يكن يهابه القومللينه وشفقته. وخشي هارون أن يلجأ إلى القوة ويحطم لهم صنمهم الذي يعبدونهفتثور فتنة بين القوم. فآثر هارون تأجيل الموضوع إلى أن يحضر موسى.
كان يعرف أن موسى بشخصيته القوية، يستطيع أن يضع حدا لهذه الفتنة. واستمر القوم يرقصون حول العجل.
انحدر موسى عائدا لقومه فسمع صياح القوم وجلبتهم وهم يرقصون حول العجل.توقف القوم حين ظهر موسى وساد صمت. صرخ موسى يقول: (بِئْسَمَاخَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ).
اتجه موسى نحو هارون وألقى ألواح التوراة من يده على الأرض. كان إعصارالغضب داخل موسى يتحكم فيه تماما. مد موسى يديه وأمسك هارون من شعر رأسهوشعر لحيته وشده نحوه وهو يرتعش. قال موسى:
يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) (طه)
إن موسى يتساءل هل عصى هارون أمره. كيف سكت على هذه الفتنة؟ كيف طاوعهمعلى البقاء معهم ولم يخرج ويتركهم ويتبرأ منهم؟ كيف سكت عن مقاومتهم أصلا؟إن الساكت عن الخطأ مشترك فيه بشكل ما. زاد الصمت عمقا بعد جملة موسىالغاضبة. وتحدث هارون إلى موسى. رجا منه أن يترك رأسه ولحيته. بحقانتمائهما لأم واحدة. وهو يذكره بالأم ولا يذكره بالأب ليكون ذلك أدعىلاستثارة مشاعر الحنو في نفسه.

أفهمه أن الأمر ليس فيه عصيان له. وليس فيه رضا بموقف عبدة العجل. إنماخشي أن يتركهم ويمضي، فيسأله موسى كيف لم يبق فيهم وقد تركه موسى مسؤولاعنهم، وخشي لو قاومهم بعنف أن يثير بينهم قتالا فيسأله موسى كيف فرق بينهمولم ينتظر عودته.
أفهم هارون أخاه موسى برفق ولين أن القوم استضعفوه، وكادوا يقتلونه حينقاومهم. رجا منه أن يترك رأسه ولحيته حتى لا يشمت به الأعداء، ويستخف بهالقوم زيادة على استخفافهم به. أفهمه أنه ليس ظالما مثلهم عندما سكت عنظلمهم.
أدرك موسى أنه ظلم هارون في غضبه الذي أشعلته غيرته على الله تعالى وحرصهعلى الحق. أدرك أن هارون تصرف أفضل تصرف ممكن في هذه الظروف. ترك رأسهولحيته واستغفر الله له ولأخيه. التفت موسى لقومه وتساءل بصوت لم يزليضطرب غضبا: (يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًاأَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْغَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي).


إنه يعنفهم ويوبخهم ويلفتهم بإشارة سريعة إلى غباء ما عملوه. عاد موسىيقول غاضبا أشد الغضب: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَسَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَاوَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ).
لم تكد الجبال تبتلع أصداء الصوت الغاضب حتى نكس القوم رءوسهم وأدركواخطأهم. كان افتراؤهم واضحا على الحق الذي جاء به موسى. أبعد كل ما فعلهالله تعالى لهم، ينكفئون على عبادة الأصنام؟! أيغيب موسى أربعين يوما ثميعود ليجدهم يعبدون عجلا من الذهب. أهذا تصرف قوم، عهد الله إليهم بأمانةالتوحيد في الأرض؟
التفت موسى إلى السامري بعد حديثه القصير مع هارون. لقد أثبت له هارونبراءته كمسئول عن قومه في غيبته، كما سكت القوم ونكسوا رءوسهم أمام ثورةموسى، لم يبق إلا المسئول الأول عن الفتنة. لم يبق إلا السامري.
تحدث موسى إلى السامري وغضبه لم يهدأ بعد: قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ
إنه يسأله عن قصته، ويريد أن يعرف منه ما الذي حمله على ما صنع. قال السامري: بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
رأيت جبريل وهو يركب فرسه فلا تضع قدمها على شيء إلا دبت فيه الحياة. فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
أخذت حفنة من التراب الذي سار عليه جبريل وألقيتها على الذهب. فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
هذا ما ساقتني نفسي إليه.
لم يناقش موسى، عليه السلام السامري في ادعائه. إنما قذف في وجهه حكمالحق. ليس المهم أن يكون السامري قد رأى جبريل، عليه السلام، فقبض قبضة منأثره. ليس المهم أن يكون خوار العجل بسبب هذا التراب الذي سار عليه فرسجبريل، أو يكون الخوار بسبب ثقب اصطنعه السامري ليخور العجل. المهم فيالأمر كله جريمة السامري، وفتنته لقوم موسى، واستغلاله إعجاب القوم الدفينبسادتهم المصريين، وتقليدهم لهم في عبادة الأوثان. هذه هي الجريمة التيحكم فيها موسى عليه السلام: (قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِأَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُوَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًالَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا).
حكم موسى على السامري بالوحدة في الدنيا. يقول بعض المفسرين: إن موسى دعاعلى السامري بأن لا يمس أحدا، معاقبة له على مسه ما لم يكن ينبغي له مسه.
ونعتقد أن الأمر أخطر كثيرا من هذه النظرة السريعة. إن السامري أرادبفتنته ضلال بني إسرائيل وجمعهم حول عجله الوثني والسيادة عليهم، وقد جاءتعقوبته مساوية لجرمه، لقد حكم عليه بالنبذ والوحدة. هل مرض السامري مرضاجلديا بشعا صار الناس يأنفون من لمسه أو مجرد الاقتراب منه؟ هل جاءه النبذمن خارج جسده؟ لا نعرف ماذا كان من أمر الأسلوب الذي تمت به وحدة السامريونبذ المجتمع له. كل ما نعرفه أن موسى أوقع عليه عقوبة رهيبة، كان أهونمنها القتل، فقد عاش السامري منبوذا محتقرا لا يلمس شيئا ولا يمس أحدا ولايقترب منه مخلوق. هذه هي عقوبته في الدنيا، ويوم القيامة له عقوبة ثانية،يبهمها السياق لتجيء ظلالها في النفس أخطر وأرعب.
نهض موسى بعد فراغه من السامري إلى العجل الذهب وألقاه في النار. لم يكتفبصهره أمام عيون القوم المبهوتين، وإنما نسفه في البحر نسفا. تحول الإلهالمعبود أمام عيون المفتونين به إلى رماد يتطاير في البحر. ارتفع صوتموسى: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) هذا هو إلهكم، وليس ذلك الصنم الذي لا يملكلنفسه نفعا ولا ضرا.
بعد أن نسف موسى الصنم، وفرغ من الجاني الأصلي، التفت إلى قومه، وحكم فيالقضية كلها فأفهمهم أنهم ظلموا أنفسهم وترك لعبدة العجل مجالا واحداللتوبة. وكان هذا المجال أن يقتل المطيع من بني إسرائي من عصى.
قال تعالى:
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْأَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْفَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْفَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم (54) (البقرة)
كانت العقوبة التي قررها موسى على عبدة العجل مهولة، وتتفق مع الجرمالأصلي. إن عبادة الأوثان إهدار لحياة العقل وصحوته، وهي الصحوة التي تميزالإنسان عن غيره من البهائم والجمادات، وإزاء هذا الإزهاق لصحوة العقل،تجيء العقوبة إزهاقا لحياة الجسد نفسه، فليس بعد العقل للإنسان حياة يتميزبها. ومن نوع الجرم جاءت العقوبة. جاءت قاسية ثم رحم الله تعالى وتاب.إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم .
أخيرا. سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ. تأمل تعبير القرآن الكريم الذي يصورالغضب في صورة كائن يقود تصرفات موسى، ابتداء من إلقائه لألواح التوراة،وشده للحية أخيه ورأسه. وانتهاء بنسف العجل في البحر، وحكمه بالقتل على مناتخذوه ربا. أخيرا سكت عن موسى الغضب. زايله غضبه في الله، وذلك أرفعأنواع الغضب وأجدرها بالاحترام والتوقير. التفت موسى إلى مهمته الأصليةحين زايله غضبه فتذكر أنه ألقى ألواح التوراة. وعاد موسى يأخذ الألواحويعاود دعوته إلى الله.
رفع الجبل فوق رؤوس بني إسرائيل:
عاد موسى إلى هدوئه، واستأنف جهاده في الله، وقرأ ألواح التوراة على قومه.أمرهم في البداية أن يأخذوا بأحكامها بقوة وعزم. ومن المدهش أن قومهساوموه على الحق. قالوا: انشر علينا الألواح فإن كانت أوامرها ونواهيهاسهلة قبلناها. فقال موسى: بل اقبلوها بما فيها. فراجعوا مرارا، فأمر اللهتعالى ملائكته فرفعت الجبل على رءوسهم حتى صار كأنه غمامة فوقهم، وقيللهم: إن لم تقبلوها بما فيها سقط ذلك الجبل عليكم، فقبلوا بذلك، وأمروابالسجود فسجدوا. وضعوا خدودهم على الأرض وراحوا ينظرون إلى الجبل فوقهمهلعا ورعبا.
وهكذا أثبت قوم موسى أنهم لا يسلمون وجوههم لله إلا إذا لويت أعناقهمبمعجزة حسية باهرة تلقي الرعب في القلوب وتنثني الأقدام نحو سجود قاهريدفع الخوف إليه دفعا. وهكذا يساق الناس بالعصا الإلهية إلى الإيمان. يقعهذا في ظل غياب الوعي والنضج الكافيين لقيام الاقتناع العقلي. ولعلنا هنانشير مرة أخرى إلى نفسية قوم موسى، وهي المسئول الأول عن عدم اقتناعهم إلابالقوة الحسية والمعجزات الباهرة. لقد تربى قوم موسى ونشئوا وسط هوان وذل،أهدرت فيهما إنسانيتهم والتوت فطرته. ولم يعد ممكنا بعد ازدهار الذل فينفوسهم واعتيادهم إياه، لم يعد ممكنا أن يساقوا إلى الخير إلا بالقوة. لقداعتادوا أن تسيرهم القوة القاهرة لسادتهم القدامى، ولا بد لسيدهم الجديد(وهو الإيمان) من أن يقاسي الأهوال لتسييرهم، وأن يلجأ مضطرا إلى أسلوبالقوة لينقذهم من الهلاك. لم تمر جريمة عبادة العجل دون آثار.

اختيار سبعين رجلا لميقات الله:
أمر موسى بني إسرائيل أن يستغفروا الله ويتوبوا إليه. اختار منهم سبعينرجلا، الخيّر فالخيّر، وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوهالتوبة على من تركتم وراءكم من قومكم. صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. خرجموسى بهؤلاء السبعين المختارين لميقات حدده له الله تعالى. دنا موسى منالجبل. وكلم الله تعالى موسى، وسمع السبعون موسى وهو يكلم ربه.
ولعل معجزة كهذه المعجزة تكون الأخير، وتكون كافية لحمل الإيمان إلىالقلوب مدى الحياة. غير أن السبعين المختارين لم يكتفوا بما استمعوا إليهمن المعجزة. إنما طلبوا رؤية الله تعالى. قالوا سمعنا ونريد أن نرى. قالوالموسى ببساطة: (يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَجَهْرَةً).
هي مأساة تثير أشد الدهشة. وهي مأساة تشير إلى صلابة القلوب واستمساكهابالحسيات والماديات. كوفئ الطلب المتعنت بعقوبة صاعقة. أخذتهم رجفة مدمرةصعقت أرواحهم وأجسادهم على الفور. ماتوا.
أدرك موسى ما أحدثه السبعون المختارون فملأه الأسى وقام يدعو ربه ويناشدهأن يعفو عنهم ويرحمهم، وألا يؤاخذهم بما فعل السفهاء منهم، وليس طلبهمرؤية الله تبارك وتعالى وهم على ما هم فيه من البشرية الناقصة وقسوة القلبغير سفاهة كبرى. سفاهة لا يكفر عنها إلا الموت.
قد يطلب النبي رؤية ربه، كما فعل موسى، ورغم انطلاق الطلب من واقع الحبالعظيم والهوى المسيطر، الذي يبرر بما له من منطق خاص هذا الطلب، رغم هذاكله يعتبر طلب الرؤية تجاوزا للحدود، يجازى عليه النبي بالصعق، فما بالنابصدور هذا الطلب من بشر خاطئين، بشر يحددون للرؤية مكانا وزمانا، بعد كلما لقوه من معجزات وآيات..؟ أليس هذا سفاهة كبرى..؟ وهكذا صعق من طلبالرؤية.. ووقف موسى يدعو ربه ويستعطفه ويترضاه.. يحكي المولى عز وجل دعاءموسى عليه السلام بالتوبة على قومه في سورة الأعراف:


وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّاأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّنقَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْهِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاءأَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُالْغَافِرِين (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةًوَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِمَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَالِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُمبِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَالنَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِيالتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْعَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُالْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْعَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُوَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُالْمُفْلِحُونَ (157) (الأعراف)
هذه كانت كلمات موسى لربه وهو يدعوه ويترضاه. ورضي الله تعالى عنه وغفرلقومه فأحياهم بعد موتهم، واستمع المختارون في هذه اللحظات الباهرة منتاريخ الحياة إلى النبوءة بمجيء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
سنلاحظ طريقة الربط بين الحاضر والماضي في الآية، إن الله تعالى يتجاوززمن مخاطبة الرسول في الآيات إلى زمنين سابقين، هما نزول التوراة ونزولالإنجيل، ليقرر أنه (تعالى) بشّر بمحمد في هذين الكتابين الكريمين. نعتقدأن إيراد هذه البشرى جاء يوم صحب موسى من قومه سبعين رجلا هم شيوخ بنيإسرائيل وأفضل من فيهم، لميقات ربه. في هذا اليوم الخطير بمعجزاته الكبرى،تم إيراد البشرى بآخر أنبياء الله عز وجل.
يقول ابن كثير في كتابه قصص الأنبياء، نقلا عن قتادة:
إن موسى قال لربه: يا رب إني أجد في الألواح أمة هي خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. رب اجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: ربي إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها. وكان منقبلهم يقرءون كتابهم نظرا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه. وإنالله أعطاهم من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا من الأمم. رب اجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فضول الضلالة. فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم، ويؤجرونعليها، وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق أحدهم بصدقة فقبلت منه بعث اللهعليها نارا فأكلتها، وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير. وإن اللهأخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم. رب فاجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
قال: رب فإني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم عملها كتبت له عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. رب اجعلهم أمتي.
قال: تلك أمة أحمد.
نزول المن والسلوى:
سار موسى بقومه في سيناء. وهي صحراء ليس فيها شجر يقي من الشمس، وليس فيهاطعام ولا ماء. وأدركتهم رحمة الله فساق إليهم المن والسلوى وظللهم الغمام.والمن مادة يميل طعمها إلى الحلاوة وتفرزها بعض أشجار الفاكهة. وساق اللهإليهم السلوى، وهو نوع من أنواع الطيور يقال إنه (السمان). وحين اشتد بهمالظمأ إلى الماء، وسيناء مكان يخلو من الماء، ضرب لهم موسى بعصاه الحجرفانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من المياه. وكان بنو إسرائيل ينقسمون إلى 12سبطا. فأرسل الله المياه لكل مجموعة. ورغم هذا الإكرام والحفاوة، تحركت فيالنفوس التواءاتها المريضة. واحتج قوم موسى بأنهم سئموا من هذا الطعام،واشتاقت نفوسهم إلى البصل والثوم والفول والعدس، وكانت هذه الأطعمة أطعمةمصرية تقليدية. وهكذا سأل بنو إسرائيل نبيهم موسى أن يدعو الله ليخرج لهممن الأرض هذه الأطعمة.
وعاد موسى يستلفتهم إلى ظلمهم لأنفسهم، وحنينهم لأيام هوانهم في مصر، وكيفأنهم يتبطرون على خير الطعام وأكرمه، ويريدون بدله أدنى الطعام وأسوأه.
السير باتجاه بيت المقدس:
سار موسى بقومه في اتجاه البيت المقدس. أمر موسى قومه بدخولها وقتال منفيها والاستيلاء عليها. وها قد جاء امتحانهم الأخير. بعد كل ما وقع لهم منالمعجزات والآيات والخوارق. جاء دورهم ليحاربوا -بوصفهم مؤمنين- قوما منعبدة الأصنام.
رفض قوم موسى دخول الأراضي المقدسة. وحدثهم موسى عن نعمة الله عليهم. كيفجعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكا يرثون ملك فرعون، وآتاهم مَّا لَمْ يُؤْتِأَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ.
وكان رد قومه عليه أنهم يخافون من القتال. قالوا: إن فيها قوما جبارين، ولن يدخلوا الأرض المقدسة حتى يخرج منها هؤلاء.
وانضم لموسى وهارون اثنان من القوم. تقول كتب القدماء إنهم خرجوا فيستمائة ألف. لم يجد موسى من بينهم غير رجلين على استعداد للقتال. وراحهذان الرجلان يحاولان إقناع القوم بدخول الأرض والقتال. قالا: إن مجرددخولهم من الباب سيجعل لهم النصر. ولكن بني إسرائيل جميعا كانوا يتدثرونبالجبن ويرتعشون في أعماقهم.
مرة أخرى تعاودهم طبيعتهم التي عاودتهم قبل ذلك حين رأوا قوما يعكفون علىأصنامهم. فسدت فطرتهم، وانهزموا من الداخل، واعتادوا الذل، فلم يعد فياستطاعتهم أن يحاربوا. وإن بقي في استطاعتهم أن يتوقحوا على نبي الله موسىوربه. وقال قوم موسى له كلمتهم الشهيرة: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَفَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) هكذا بصراحة وبلا التواء.
أدرك موسى أن قومه ما عادوا يصلحون لشيء. مات الفرعون ولكن آثاره فيالنفوس باقية يحتاج شفاؤها لفترة طويلة. عاد موسى إلى ربه يحدثه أنه لايملك إلا نفسه وأخاه. دعا موسى على قومه أن يفرق الله بينه وبينهم.
وأصدر الله تعالى حكمه على هذا الجيل الذي فسدت فطرته من بني إسرائيل. كانالحكم هو التيه أربعين عاما. حتى يموت هذا الجيل أو يصل إلى الشيخوخة.ويولد بدلا منه جيل آخر، جيل لم يهزمه أحد من الداخل، ويستطيع ساعتها أنيقاتل وأن ينتصر.

قصة البقرة:
بدأت أيام التيه. بدأ السير في دائرة مغلقة. تنتهي من حيث تبدأ، وتبدأ منحيث تنتهي، بدأ السير إلى غير مقصد. ليلا ونهارا وصباحا ومساء. دخلواالبرية عند سيناء.
مكث موسى في قومه يدعوهم إلى الله. ويبدو أن نفوسهم كانت ملتوية بشكل لاتخطئه عين الملاحظة، وتبدو لجاجتهم وعنادهم فيما يعرف بقصة البقرة. فإنالموضوع لم يكن يقتضي كل هذه المفاوضات بينهم وبين موسى، كما أنه لم يكنيستوجب كل هذا التعنت. وأصل قصة البقرة أن قتيلا ثريا وجد يوما في بنيإسرائيل، واختصم أهله ولم يعرفوا قاتله، وحين أعياهم الأمر لجئوا لموسىليلجأ لربه. ولجأ موسى لربه فأمره أن يأمر قومه أن يذبحوا بقرة. وكانالمفروض هنا أن يذبح القوم أول بقرة تصادفهم. غير أنهم بدءوا مفاوضتهمباللجاجة. اتهموا موسى بأنه يسخر منهم ويتخذهم هزوا، واستعاذ موسى باللهأن يكون من الجاهلين ويسخر منهم. أفهمهم أن حل القضية يكمن في ذبح بقرة.
إن الأمر هنا أمر معجزة، لا علاقة لها بالمألوف في الحياة، أو المعتاد بينالناس. ليست هناك علاقة بين ذبح البقرة ومعرفة القاتل في الجريمة الغامضةالتي وقعت، لكن متى كانت الأسباب المنطقية هي التي تحكم حياة بني إسرائيل؟إن المعجزات الخارقة هي القانون السائد في حياتهم، وليس استمرارها في حادثالبقرة أمرا يوحي بالعجب أو يثير الدهشة.
لكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل. مجرد التعامل معهم عنت. تستوي في ذلكالأمور الدنيوية المعتادة، وشؤون العقيدة المهمة. لا بد أن يعاني من يتصدىلأمر من أمور بني إسرائيل. وهكذا يعاني موسى من إيذائهم له واتهامهبالسخرية منهم، ثم ينبئهم أنه جاد فيما يحدثهم به، ويعاود أمره أن يذبحوابقرة، وتعود الطبيعة المراوغة لبني إسرائيل إلى الظهور، تعود اللجاجةوالالتواء، فيتساءلون: أهي بقرة عادية كما عهدنا من هذا الجنس من الحيوان؟أم أنها خلق تفرد بمزية، فليدع موسى ربه ليبين ما هي. ويدعو موسى ربهفيزداد التشديد عليهم، وتحدد البقرة أكثر من ذي قبل، بأنها بقرة وسط. ليستبقرة مسنة، وليست بقرة فتية. بقرة متوسطة.
إلى هنا كان ينبغي أن ينتهي الأمر، غير أن المفاوضات لم تزل مستمرة،ومراوغة بني إسرائيل لم تزل هي التي تحكم مائدة المفاوضات. ما هو لونالبقرة؟ لماذا يدعو موسى ربه ليسأله عن لون هذا البقرة؟ لا يراعون مقتضياتالأدب والوقار اللازمين في حق الله تعالى وحق نبيه الكريم، وكيف أنهمينبغي أن يخجلوا من تكليف موسى بهذا الاتصال المتكرر حول موضوع بسيط لايستحق كل هذه اللجاجة والمراوغة. ويسأل موسى ربه ثم يحدثهم عن لون البقرةالمطلوبة. فيقول أنها بقرة صفراء، فاقع لونها تسر الناظرين.
وهكذا حددت البقرة بأنها صفراء، ورغم وضوح الأمر، فقد عادوا إلى اللجاجةوالمراوغة. فشدد الله عليهم كما شددوا على نبيه وآذوه. عادوا يسألون موسىأن يدعو الله ليبين ما هي، فإن البقر تشابه عليهم، وحدثهم موسى عن بقرةليست معدة لحرث ولا لسقي، سلمت من العيوب، صفراء لا شية فيها، بمعنى خالصةالصفرة. انتهت بهم اللجاجة إلى التشديد. وبدءوا بحثهم عن بقرة بهذه الصفاتالخاصة. أخيرا وجدوها عند يتيم فاشتروها وذبحوها.


وأمسك موسى جزء من البقرة (وقيل لسانها) وضرب به القتيل فنهض من موته.سأله موسى عن قاتله فحدثهم عنه (وقيل أشار إلى القاتل فقط من غير أنيتحدث) ثم عاد إلى الموت. وشاهد بنو إسرائيل معجزة إحياء الموتى أمامأعينهم، استمعوا بآذانهم إلى اسم القاتل. انكشف غموض القضية التي حيرتهمزمنا طال بسبب لجاجتهم وتعنتهم.
نود أن نستلفت انتباه القارئ إلى سوء أدب القوم مع نبيهم وربهم، ولعلالسياق القرآني يورد ذلك عن طريق تكرارهم لكلمة "ربك" التي يخاطبون بهاموسى. وكان الأولى بهم أن يقولوا لموسى، تأدبا، لو كان لا بد أن يقولواSadادْعُ لَنَا رَبَّكَ) ادع لنا ربنا. أما أن يقولوا له: فكأنهم يقصرونربوبية الله تعالى على موسى. ويخرجون أنفسهم من شرف العبودية لله. انظرإلى الآيات كيف توحي بهذا كله. ثم تأمل سخرية السياق منهم لمجرد إيرادهلقولهم: (الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) بعد أن أرهقوا نبيهم ذهابا وجيئة بينهموبين الله عز وجل، بعد أن أرهقوا نبيهم بسؤاله عن صفة البقرة ولونها وسنهاوعلاماتها المميزة، بعد تعنتهم وتشديد الله عليهم، يقولون لنبيهم حينجاءهم بما يندر وجوده ويندر العثور عليه في البقر عادة.
ساعتها قالوا له: "الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ". كأنه كان يلعب قبلها معهم،ولم يكن ما جاء هو الحق من أول كلمة لآخر كلمة. ثم انظر إلى ظلال السياقوما تشي به من ظلمهم: (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ) ألا توحيلك ظلال الآيات بتعنتهم وتسويفهم ومماراتهم ولجاجتهم في الحق؟ هذه اللوحةالرائعة تشي بموقف بني إسرائيل على موائد المفاوضات. هي صورتهم على مائدةالمفاوضات مع نبيهم الكريم موسى.
إيذاء بني إسرائيل لموسى:
قاسى موسى من قومه أشد المقاساة، وعانى عناء عظيما، واحتمل في تبليغهمرسالته ما احتمل في سبيل الله. ولعل مشكلة موسى الأساسية أنه بعث إلى قومطال عليهم العهد بالهوان والذل، وطال بقاؤهم في جو يخلو من الحرية، وطالمكثهم وسط عبادة الأصنام، ولقد نجحت المؤثرات العديدة المختلفة في أن تخلقهذه النفسية الملتوية الخائرة المهزومة التي لا تصلح لشيء. إلا أن تعذبأنبيائها ومصلحيها.
وقد عذب بنو إسرائيل موسى عذابا نستطيع -نحن أبناء هذا الزمان- أن ندركوقعه على نفس موسى النقية الحساسة الكريمة. ولم يقتصر العذاب على العصيانوالغباء واللجاجة والجهل وعبادة الأوثان، وإنما تعدى الأمر إلى إيذاء موسىفي شخصه.
قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىفَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)(الأحزاب)
ونحن لا تعرف كنه هذا الإيذاء، ونستبعد رواية بعض العلماء التي يقولونفيها أن موسى كان رجلا حييا يستتر دائما ولا يحب أن يرى أحد من الناس جسدهفاتهمه اليهود بأنه مصاب بمرض جلدي أو برص، فأراد الله أن يبرئه مماقالوا، فذهب يستحم يوما ووضع ثيابه على حجر، ثم خرج فإذا الحجر يجريبثيابه وموسى يجري وراء الحجر عاريا حتى شاهده بنو إسرائيل عاريا وليسبجلده عيب. نستبعد هذه القصة لتفاهتها، فإنها إلى جوار خرافة جري الحجربملابسه، لا تعطي موسى حقه من التوقير، وهي تتنافى مع عصمته كنبي.
ونعتقد أن اليهود آذوا موسى إيذاء نفسيا، هذا هو الإيذاء الذي يدمي النفوسالكريمة ويجرحها حقا، ولا نعرف كيف كان هذا الإيذاء، ولكننا نستطيع تخيلالمدى العبقري الآثم الذي يستطيع بلوغه بنو إسرائيل في إيذائهم لموسى.
فترة التيه:
ولعل أعظم إيذاء لموسى، كان رفض بني إسرائيل القتال من أجل نشر عقيدةالتوحيد في الأرض، أو على أقل تقدير، السماح لهذه العقيدة أن تستقر علىالأرض في مكان، وتأمن على نفسها، وتمارس تعبدها في هدوء. لقد رفض بنوإسرائيل القتال. وقالوا لموسى كلمتهم الشهيرة: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَفَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ).
وبهذه النفسية حكم الله عليهم بالتيه. وكان الحكم يحدد أربعين عاما كاملة،وقد مكث بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة، حتى فني جيل بأكمله. فنى الجيلالخائر المهزوم من الداخل، وولد في ضياع الشتات وقسوة التيه جيل جديد. جيللم يتربى وسط مناخ وثني، ولم يشل روحه انعدام الحرية. جيل لم ينهزم منالداخل، جيل لم يعد يستطيع الأبناء فيه أن يفهموا لماذا يطوف الآباء هكذابغير هدف في تيه لا يبدو له أول ولا تستبين له نهاية. إلا خشية من لقاءالعدو. جيل صار مستعدا لدفع ثمن آدميته وكرامته من دمائه. جيل لا يقوللموسى (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ).
جيل آخر يتبنى قيم الشجاعة العسكرية، كجزء مهم من نسيج أي ديانة من ديانات التوحيد. أخيرا ولد هذا الجيل وسط تيه الأربعين عاما.
ولقد قدر لموسى. زيادة في معاناته ورفعا لدرجته عند الله تعالى. قدر لهألا تكتحل عيناه بمرأى هذا الجيل. فقد مات موسى عليه الصلاة والسلام قبلأن يدخل بنو إسرائيل الأرض التي كتب الله عليهم دخولها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان قومه يؤذونه في الله: قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر.
مات هارون قبل موسى بزمن قصير. واقترب أجل موسى، عليه الصلاة والسلام.وكان لم يزل في التيه. قال يدعو ربه: رب أدنني إلى الأرض المقدسة رمية حجر.
أحب أن يموت قريبا من الأرض التي هاجر إليها. وحث قومه عليها. ولكنه لميستطع، ومات في التيه. ودفن عند كثيب أحمر حدث عنه آخر أنبياء الله فيالأرض حين أسرى به. قال محمد صلى الله عليه وسلم: لما أسري بي مررت بموسىوهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر.
تروي الأساطير عديدا من الحكايات حول موت موسى، وتحكي أنه ضرب ملك الموتحين جاء يستل روحه، وأمثال هذه الروايات كثيرة. لكننا لا نحب أن نخوض فيهذه الروايات حتى لا ننجرف وراء الإسرائيليات التي دخلت بعض كتب التفسير.
مات موسى -عليه الصلاة والسلام- في التيه، وتولى يوشع بن نون أمر بني إسرائيل.

[right]

موسى والعبد الصالح:
قال تعالى:
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) (الكهف)
كان لموسى -عليه السلام- هدف من رحلته هذه التي اعتزمها،, وأنه كان يقصدمن ورائها امرا، فهو يعلن عن تصميمه على بلوغ مجمع البحرين مهما تكنالمشقة، ومهما يكن الزمن الذي ينفه في الوصول. فيعبر عن هذا التصميم قائلا(أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا).
نرى أن القرآن الكريم لا يحدد لنا المكان الذي وقت فيه الحوادث، ولا يحددلنا التاريخ، كما أنه لم يصرح بالأسماء. ولم يبين ماهية العبد الصالح الذيالتقاه موسى، هل هو نبي أو رسول؟ أم عالم؟ أم ولي؟
اختلف المفسرون في تحديد المكان، فقيل إنه بحر فارس والروم، وقيل بل بحرالأردن أو القلزم، وقيل عند طنجة، وقيل في أفريقيا، وقيل هو بحر الأندلس..ولا يقوم الدليل على صحة مكان من هذه الأمكنة، ولو كان تحديد المكانمطلوبا لحدده الله تعالى.. وإنما أبهم السياق القرآني المكان، كما أبهمتحديد الزمان، كما ضبب أسماء الأشخاص لحكمة عليا.
إن القصة تتعلق بعلم ليس هو علمنا القائم على الأسباب.. وليس هو علمالأنبياء القائم على الوحي.. إنما نحن أمام علم من طبيعة غامضة أشدالغموض.. علم القدر الأعلى، وذلك علم أسدلت عليه الأستار الكثيفة.. مكاناللقاء مجهول كما رأينا.. وزمان اللقاء غير معروف هو الآخر.. لا نعرف متىتم لقاء موسى بهذا العبد.
وهكذا تمضي القصة بغير أن تحدد لك سطورها مكان وقوع الأحداث، ولا زمانه،يخفي السياق القرآني أيضا اسم أهم أبطالها.. يشير إليه الحق تبارك وتعالىبقوله: (عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَاوَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) هو عبد أخفى السياق القرآني اسمه..هذا العبد هو الذي يبحث عنه موسى ليتعلم منه.
لقد خص الله تعالى نبيه الكريم موسى -عليه السلام- بأمور كثيرة. فهو كليمالله عز وجل، وأحد أولي العزم من الرسل، وصاحب معجزة العصا واليد، والنبيالذي أنزلت عليه التوراة دون واسطة، وإنما كلمه الله تكليما.. هذا النبيالعظيم يتحول في القصة إلى طالب علم متواضع يحتمل أستاذه ليتعلم.. ومنيكون معلمه غير هذا العبد الذي يتجاوز السياق القرآني اسمه، وإن حدثتناالسنة المطهرة أنه هو الخضر -عليه السلام- كما حدثتنا أن الفتى هو يوشع بننون، ويسير موسى مع العبد الذي يتلقى علمه من الله بغير أسباب التلقي النينعرفها.
ومع منزلة موسى العظيمة إلا أن الخضر يرفض صحبة موسى.. يفهمه أنه لنيستطيع معه صبرا.. ثم يوافق على صحبته بشرط.. ألا يسأله موسى عن شيء حتىيحدثه الخضر عنه.
والخضر هو الصمت المبهم ذاته، إنه لا يتحدث، وتصرفاته تثير دهشة موسىالعميقة.. إن هناك تصرفات يأتيها الخضر وترتفع أمام عيني موسى حتى لتصلإلى مرتبة الجرائم والكوارث.. وهناك تصرفات تبدو لموسى بلا معنى.. وتثيرتصرفات الخضر دهشة موسى ومعارضته.. ورغم علم موسى ومرتبته، فإنه يجد نفسهفي حيرة عميقة من تصرفات هذا العبد الذي آتاه الله من لدنه علما.
وقد اختلف العلماء في الخضر: فيهم من يعتبره وليا من أولياء الله، وفيهممن يعتبره نبيا.. وقد نسجت الأساطير نفسها حول حياته ووجوده، فقيل إنه لايزال حيا إلى يوم القيامة، وهي قضية لم ترد بها نصوص أو آثار يوثق فيها،فلا نقول فيها إلا أنه مات كما يموت عباد الله.. وتبقى قضية ولايته، أونبوته.. وسنرجئ الحديث في هذه القضية حتى ننظر في قصته كما أوردها القرآنالكريم.


قام موسى خطيبا في بني إسرائيل، يدعوهم إلى الله ويحدثهم عن الحق، ويبدوأن حديثه جاء جامعا مانعا رائعا.. بعد أن انتهى من خطابه سأله أحدالمستمعين من بني إسرائيل: هل على وجه الأرض أحد اعلم منك يا نبي الله؟
قال موسى مندفعا: لا..
وساق الله تعالى عتابه لموسى حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبريل يسأله: يا موسى ما يدريك أين يضع الله علمه؟
أدرك موسى أنه تسرع.. وعاد جبريل، عليه السلام، يقول له: إن لله عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك.
تاقت نفس موسى الكريمة إلى زيادة العلم، وانعقدت نيته على الرحيل لمصاحبةهذا العبد العالم.. سأل كيف السبيل إليه.. فأمر أن يرحل، وأن يحمل معهحوتا في مكتل، أي سمكة في سلة.. وفي هذا المكان الذي ترتد فيه الحياة لهذاالحوت ويتسرب في البحر، سيجد العبد العالم.. انطلق موسى -طالب العلم- ومعهفتاه.. وقد حمل الفتى حوتا في سلة.. انطلقا بحثا عن العبد الصالح العالم..وليست لديهم أي علامة على المكان الذي يوجد فيه إلا معجزة ارتداد الحياةللسمكة القابعة في السلة وتسربها إلى البحر.
ويظهر عزم موسى -عليه السلام- على العثور على هذا العبد العالم ولو اضطرهالأمر إلى أن يسير أحقابا وأحقابا. قيل أن الحقب عام، وقيل ثمانون عاما.على أية حال فهو تعبير عن التصميم، لا عن المدة على وجه التحديد.
وصل الاثنان إلى صخرة جوار البحر.. رقد موسى واستسلم للنعاس، وبقي الفتىساهرا.. وألقت الرياح إحدى الأمواج على ا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://taregco.yoo7.com
 
قصة موسى بن عمران - عليه السلام - كاملة الجز الثاني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكة طاركو السودانيه :: *** القسم الاسلامى *** :: قصص الانبياء و الرسل والصحابه-
انتقل الى: